محمد بن زكريا الرازي

317

الحاوي في الطب

تحتاج ولو أنها في نهاية الحمى إلى ذلك ، وأبدانا تحتاج إلى ذلك في انحطاطها . واعلم أنه ليس شيء أسهل توليدا للحمى من الأبدان الحارة اليابسة في مزاحها الأصلي كان لها ذلك أو التي حالها في وقت ما حال حارة يابسة باكتساب ما مثل حركة كبيرة أو سهر أو همّ أو غذاء أو تدبير مّاء حار يابس أو من الإمساك عن الطعام . ولا شيء أشد ضررا وإهلاكا لهم من ذلك ولا بد من أن يفضوا منه إلى حميات محرقة فإن لم تعالجهم الموت منها آل بهم إلى حمى دق ، ومنها إلى الذبول ، وربما وقعوا في الدق بلا توسط الحميات المحرقة ، وبالجملة فالترطيب والطعام المرطب من أعظم علاج هؤلاء كما أن من كانت حماهم من سدد أو تخم أو امتلاء أو ورم فالإمساك عن الطعام ينفعهم ولذلك لا ينبغي أن تغذو هؤلاء في وقت انحطاط الحمى فضلا عن أن تغذوهم في وقت نوبتها . واعلم أن الماء البارد ينفع الذين قدمنا ذكرهم إن لم يكونوا قد وقعوا في السل ونحفت أبدانه ، م فإن الفتى الذي قد حم وقت طلوع الشعرى العبور لما شرب في وقت النوبة ماء باردا قدر قوطولين تقيأ من ساعته مرارا أحمر ثم أسهل أيضا مرارا ولما شرب بعد طعامه من الماء البارد أيضا قوطولين لم تلبث حماه أن طفئت . لي : مما رأيت : إذا أدخلت مريضا الحمام وأصابه نافض فاعلم أن في بدنه أخلاطا مرارية وأن جلده كثيف بالطبع فلما حلها حر الحمام وجاءت نحو الجلد لذعته ، وإنما يكون ذلك لأن هذه الأخلاط ترق قبل أن ينحل الجلد وكذا يصيب هذا من به تخم وهو في بدء نوبة الحمى وصعودها . في « أصناف الحميات » : إذا تكاثف الجلد ثم كان ما يتحلل جيدا عرض الامتلاء ، وإن كان رديا عرضت الحمى ، وإنما يكون رديا في الأبدان الردية الأخلاط إما لمزاجها أو لأنها لا تحم كثيرا وتأكل أطعمة ردية مرارية وتشرب عليها مياها عكرة عفنة كماء النقائع ونحوه أو يديم الاهتمام أو يسهر أو يأخذ أدوية حارة أو يأكل أطعمة يعرض منها عفونة أو تخم فإن هؤلاء متى كثفت أبدانهم أو عرضت لهم سدد في مجاريهم يعني منافذهم حموا . قال : وإذا كان ذلك فليس بعجيب أن يكون بعض من يتخم يحم ، وبعضهم لا يحم ، وذلك أن من بدنه بالطبع أو بالاكتساب رديء ولم يكن بدنه يتنفس على ما ينبغي ويتعب في غير وقته ويبادر بالدخول إلى الحمام فإن الحمى تسرع إليه . ومن دمه جيد ومنافذه واسعة وإن عرضت له تخمة واستعمل السكون وإسخان نواحي المعدة والكبد لم يمكن أن يحم لأن أخلاطه تنضج وتصير محمودة ، فأما من استعمل بعد التخمة حركة قوية أو تعرّض للشمس أو الحمام فإن ذلك الشيء الفاسد ينتشر في بدنه كله فيحم لحدوث السدد وكذا إذا حدث بعد التخمة انطلاق البطن فليس تحدث الحمى إلا أن يكون لسبب آخر مثل ورم أو تعب أو غير ذلك لأن الانطلاق يمنعه أن ينتشر ويحدث سددا . قال : لحمي يوم خواص يشركها فيها غيرها وخواص لا يشركها فيها غيرها ، فأما التي